محمد أبو زهرة

410

المعجزة الكبرى القرآن

ويسوق بعد ذلك عبد الجبار الأدلة على بطلان ذلك المذهب . وإن كان لا يحتاج بطلانه إلى دليل ، ويناقش القول الذي قالوا ، لأنه يلغى اعتبار الألفاظ ، وعلى فرض بقائها يجب أن يكون علم الإمام مبينا لها ، وإن قولهم هذا يؤدى إلى أن يلتبس أمر القرآن على الأمة ، لأن الإمام مستور ، وأن القول بأن له باطنا ، لا يعرف للناس مناف لقول اللّه تعالى في وصفه تعالى للقرآن بأنه هدى للناس وبأن فيه تبيان كل شئ ، وأن الناس مأمورون بالتفكر في آياته ، وتدبره ، وهكذا . وفي الحق أن ذلك الكلام لا موضع له من النظر ، وقد حكيناه ليتبين أوهام أولئك الناس التي لا سلطان لها من حجة أو برهان ، ولكنها مخارف الشيطان . 256 - ويجب هنا أن ننبه بأن بعض العلماء يقولون أن للقرآن ظاهرا وباطنا ، لا بهذا المعنى ، بل بمعنى أن القرآن يحوى من العلم ما يخفى على بعض الناس ، فأولئك لهم ظواهر الألفاظ ، أما ما عدا هذه الظواهر مما تشير إليه من علم ، فإنه لا يعرفه إلا خواص العلماء ، والراسخون في العلم ، ولا تناقض بين الظاهر والباطن . فالغزالى يسلم بأن للقرآن ظاهرا يفهمه كل قارئ للقرآن يعلم بأساليب البيان العربي ، مطلع على المأثور عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وله باطن عريق يفهم من الإشارات البيانية ، وما وراء الألفاظ من معان علمية لا يدركها إلا الراسخون في العلوم المختلفة . والغزالي على هذا ينتهى إلى أنه لا يصح الاعتماد على العقل وحده في فهم القرآن ، بل لا بد من الاستفادة بالنقل ، ويصح الأخذ بالنقل في الأحكام الشرعية ، بل يجب الأخذ به ، وفي غيرها من النصوص تكون الطريقة المثلى أن يعتمد على النقل والعقل معا ، فإن ظاهر القرآن لا بد في معرفته من نقل اللغة والسنة إن كانت سنة صحيحة . وفي ظل النقل الصحيح إن كان ، وفي ظل الدلالات اللغوية للألفاظ والأساليب البيانية ، والعرف الإسلامي لألفاظ القرآن يعمل العقل في استخراج معاني القرآن الكريم ، المتسعة الأفق البعيدة المدى ، وفي القرآن آيات كثيرة توجه العقل إلى عمق الحقائق الكونية والنفسية ، وكلما تفتح العقل ، وأدرك ظواهر كونية إدراكا صحيحا وجد في القرآن ما يشير إليها ، وأنه كلما اتسع أفق العقل البشرى في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم . ولعل ذلك هو الذي أشار إليه بعض الصحابة في أقوالهم مثل قول أبى الدرداء فيما نسب إليه « لا يفقه حتى يجعل للقرآن وجوها » ، ومن ذلك ما روى عن عبد اللّه بن